ترى تاتيانا سفورو أن الضربات الأميركية على فنزويلا في مطلع 2026 تكشف عن تحوّل خطير في بنية النظام القانوني الدولي، حيث لم يعد القانون يحكم استخدام القوة، بل صارت القدرة العسكرية هي التي تعرّف ما يُعتبر “قانونيًا”. وتوضح الكاتبة أن نقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قسرًا خارج بلاده، مع تبرير الخطوة باعتبارها “إنفاذًا للقانون”، يعيد إلى الواجهة أنماط سلوك سعى النظام الدولي بعد 1945 إلى تجريمها عبر إحلال الأمن الجماعي، والمساواة السيادية، وتقييد القوة بقواعد قانونية صارمة.
يبيّن المقال المنشور على موقع ميدل إيست مونيتور أن ما جرى في كاراكاس لا يمثّل تأويلًا عدوانيًا للقانون الدولي فحسب، بل يؤشر إلى نشوء نظام فعلي من “الفصل القانوني”، حيث تُمنح دول بعينها امتياز خرق القواعد، بينما تُفرض الصرامة القانونية على دول أخرى، وفق منطق القوة لا المبدأ.
عندما تُفرّغ القواعد من معناها
يحظر ميثاق الأمم المتحدة بشكل قاطع التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. ويُعد هذا الحظر قاعدة آمرة في صميم النظام القانوني الدولي المعاصر. ولا يعترف القانون الدولي إلا باستثناءين ضيقين: تفويض صريح من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، أو ممارسة حق الدفاع عن النفس ردًا على هجوم مسلح فعلي وفق المادة 51، وبشروط الضرورة والفورية والتناسب.
يفتقد الهجوم الأميركي على فنزويلا هذين الأساسين معًا. لم يصدر تفويض جماعي عن مجلس الأمن، ولم تتعرض الولايات المتحدة لهجوم مسلح منسوب إلى فنزويلا. وتستند المبررات المطروحة إلى اتهامات جنائية أو ادعاءات بعدم الشرعية السياسية أو اعتبارات استراتيجية، وهي ذرائع رفضها القانون الدولي مرارًا كأساس لاستخدام القوة. ولا يشكّل تغيير الأنظمة أو “الشرطة العابرة للحدود” أو التدخل العقابي استثناءات معترفًا بها. لذلك، لا يقع هذا السلوك في “منطقة رمادية”، بل في صلب المنطقة التي يعرّفها الميثاق بوصفها غير مشروعة.
من سيادة القانون إلى مسرح القوة
تكشف هذه الواقعة حدود الشكلية القانونية. تقوم الشرعية السياسية، في أي نظام، على قناعة جماعية بأن القسر يخضع لقواعد، وأن القوة لا تكتسب صفة السلطة إلا عندما تُقيَّد بالإجراءات والتوقع القانوني. وعلى الصعيد الدولي، لا توجد سلطة عالمية ذات اختصاص مطلق، بل يقوم النظام على اتفاق هش بأن استخدام القوة يظل استثناءً نادرًا لا قاعدة.
عندما تتصرف قوة كبرى وكأن الاستثناء حق دائم، يدخل النظام في أزمة شرعية. عندها يتحول القانون إلى مسرح يُستدعى عند الحاجة ويُهمل عند الكلفة. ولا يُعد هذا المسرح بلا أثر، لأن الطقوس القانونية تشكّل فهم الواقع. وعندما يُمارس “القانون الدولي” بشكل انتقائي، تتعلم الدول أن الأمن يعتمد على الاصطفاف السياسي لا على الحقوق السيادية.
التجريم الداخلي والاقتصاد السياسي للقوة
يحاول البعض تبرير ما جرى عبر عدسة القانون الجنائي الداخلي، بحجة ملاحقة مادورو قضائيًا داخل الولايات المتحدة. لكن يميّز القانون الدولي بوضوح بين التسليم القضائي، الذي يقوم على موافقة الدول، والخطف القسري، الذي ينتهك السيادة. ولا يمنح توجيه الاتهام أو رصد مكافآت غطاءً قانونيًا لعبور الحدود بالقوة. ولو وُلد هذا المنطق، فلن يبقى حكرًا على واشنطن، بل سينتشر ويُستدعى في أكثر السياقات تفجيرًا للاستقرار.
حتى في حال خضوع العمليات لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا يضفي ذلك شرعية على اللجوء الأولي إلى القوة. فالقانون يميّز بين كيفية خوض الحرب وشرعية إطلاقها، وخلط المستويين يفتح الباب لتطبيع العدوان بلغة إنسانية.
تتعمق الإشكالية عند ربط استخدام القوة بإدارة الموارد. تمتلك فنزويلا احتياطيات نفطية هائلة تُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، وقد ربط ترامب العملية صراحة بالنفط وبفكرة “إدارة” البلاد. وعندما يقترن التدخل العسكري بالتحكم في الموارد، تدق أجراس إنذار قانونية وسياسية.
تعكس هذه الدينامية نمطًا مألوفًا شهدته حالات مثل العراق وغزة، حيث يسمح غياب آليات المساءلة الفعالة بتآكل القيود القانونية تدريجيًا. ومع تراجع القيد الأساسي على استخدام القوة الأحادية، تصبح القيود اللاحقة على التناسب والمدة والضرورة مرنة في التطبيق، خصوصًا عندما يتمتع الفاعل بحصانة دبلوماسية وشلل إنفاذي.
وتخلص الكاتبة إلى مفارقة أخيرة: بُني القانون الدولي، رغم نفاقه ونقائصه، لمنع عالم تحكمه القوة المجردة. وإذا قيّدت القواعد الضعفاء وحدهم، فلن يبقى سوى نظام دولي هرمي، تُلبس فيه الهيمنة ثوب “النظام”، ويُستبدل مبدأ المساواة السيادية بفصل قانوني يكرّس الامتياز لمن يملك حاملات الطائرات.
https://www.middleeastmonitor.com/20260106-how-legal-apartheid-took-hold-in-international-law/

